الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

45

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يعمروا مساجد اللّه ، وهو حال من ضمير يَعْمُرُوا فبين عامل الضمير وهو يَعْمُرُوا الداخل في حكم الانتفاء ، أي : انتفى تأهّلهم لأن يعمروا مساجد اللّه بحال شهادتهم على أنفسهم بالكفر ، فكان لهذه الحال مزيد اختصاص بهذا الحرمان الخاص من عمارة مساجد اللّه ، وهو الحرمان الذي لا استحقاق بعده . والمراد بالكفر : الكفر باللّه ، أي بوحدانيته ، فالكفر مرادف للشرك ، فالكفر في حدّ ذاته موجب للحرمان من عمارة أصحابه مساجد اللّه ، لأنّها مساجد اللّه فلا حقّ لغير اللّه فيها ، ثم هي قد أقيمت لعبادة اللّه لا لغيره ، وأقام إبراهيم - عليه السلام - أوّل مسجد وهو الكعبة عنوانا على التوحيد ، وإعلانا به ، كما تقدّم في قوله تعالى : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً في سورة آل عمران [ 96 ] ، فهذه أوّل درجة من الحرمان . ثم كون كفرهم حاصلا باعترافهم به موجب لانتفاء أقلّ حظ من هذه العمارة ، وللبراءة من استحقاقها ، وهذه درجة ثانية من الحرمان . وشهادتهم على أنفسهم بالكفر حاصلة في كثير من أقوالهم وأعمالهم ، بحيث لا يستطيعون إنكار ذلك ، مثل قولهم في التلبية « لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك » ، ومثل سجودهم للأصنام ، وطوافهم بها ، ووضعهم إيّاها في جوف الكعبة وحولها وعلى سطحها . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب : بإفراد مسجد الله أي المسجد الحرام وهو المقصود ، أو التعريف بالإضافة للجنس . وقرأ الباقون : مَساجِدَ اللَّهِ ، فيعمّ المسجد الحرام وما عددناه معه آنفا . وجملة أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ ابتداء ذم لهم ، وجيء باسم الإشارة لأنّهم قد تميّزوا بوصف الشهادة على أنفسهم بالكفر كما في قوله : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [ البقرة : 5 ] بعد قوله : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] الآية . و حَبِطَتْ بطلت ، وقد تقدّم في قوله تعالى : وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ في سورة البقرة [ 217 ] . وتقديم فِي النَّارِ على خالِدُونَ للرعاية على الفاصلة ويحصل منه تعجيل المساءة للكفار إذا سمعوه . [ 18 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 18 ] إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ( 18 )